ابن ميثم البحراني

141

شرح نهج البلاغة

يحتمل أن يكون قوله : وهل يكون . إلى قوله : جان . تنبيها على وجود نقيض الحكم المدّعى ، وهو كون خلقهم وخلقة النبات شاهدة بوجود صانع لها ، وذلك التنبيه بالإشارة إلى أوسط قياس من الشكل الأوّل ، وكبراه في صورة الاستفهام . وتقرير القياس : أنّهم صنعة ولا شيء ممّا هو صنعة بلا صانع ينتج فلا شيء منها بلا صانع وهو نقيض المدّعى ، ولمّا كانت الكبرى ضروريّة اقتصر على التنبيه عليها بامتناع وجود البناء من غير بان والجناية من غير جان فإنّ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجّح محال بالبديهة وممتنع في فطن الصبيان والبهائم . إذ كان الحمار عند صوت الخشبة يعد وخوفا من الضرب ، وذلك لما تقرّر في فطرته أنّ حصول صوت الخشبة بدونها محال . ثمّ لو سلَّم لهم ثبوت الحكم في الأصل وهو كون النبات بلا زارع فلم كان عدم الزارع يدلّ على أنّ النبات لا فاعل له . وإنّما يلزم ذلك أن لو كان الفاعل إنّما هو الزارع وذلك من الأوهام الظاهرة كذبها بأدنى تأمّل إذا استعقب بالبذر . إذ كان الزارع ليس إلَّا إعدادا ما للأرض والبذر : وأمّا وجود الزرع والنبات فمستند إلى مدبّر حكيم متعال عن الحسّ والمحسوس لا تدركه الأبصار ولا تكتنفه الأوهام والأفكار سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله : إن شئت قلت في الجرادة . إلى قوله : مستدقّة . تنبيه آخر على وجود الصانع الحكيم - جلَّت عظمته - في وجود بعض جزئيّات مخلوقاته وصغيرها وهى الجرادة : أي وإن شئت قلت فيها ما قلت في النملة وغيرها قولا بيّنا كاشفا عن وجوه الحكمة فيها بحيث يشهد ذلك بوجود صانع حكيم لها فنبّه على بعض دقايق الحكمة في خلقها وهى خلق العينين الحمراوين مع كون حدقتها قمراوين ، واستعار لفظ السراج للحدقتين باعتبار الحمرة النارية والإضاءة . ثمّ خلق السمع الخفيّ : أي عن أعين الناظرين ، وقيل : أراد بالخفيّ اللطيف السامع لخفيّ الأصوات فوصفه بالخفاء مجازا إطلاقا لاسم المقبول على قابله . ثمّ فتح الفم السويّ . السويّ : فعيل بمعنى مفعول : أي المسويّ . والتسوية : التعديل بحسب